عبد الملك الجويني
162
نهاية المطلب في دراية المذهب
التخويف بالقتل مع غلبة الظن بوقوعه لو لم يساعِف المجبَر . والثاني - أن الإكراه هو التخويف بالقتل أو القطع . والوجه الثالث - أنه التخويف بالقتل أو القطع أو إتلاف المال ، وكل ما يصعب احتماله ، ويعدّ في العرف من أسباب الإلجاء . ثم قالوا : ويختلف ذلك بأحوال ذوي المروءات . فهذا منتهى كلامهم . ونقل ( 1 ) القاضي رضي الله عنه عن القفال طريقةً في حدّ الإكراه ، وارتضى لنفسه مسلكاً ، وحكى عن العراقيين مسلكاً : أما ما حكاه عن القفال ، فهو أنه قال : الإكراه أن يخوّفه بعقوبة تنال بدنَه عاجلاً ، لا طاقة له بها ، فلو قال : إن قتلتَ فلاناً وإلا قتلتُك ، أو إن لم تقتله ، لأقطعنّ طرفاً من أطرافك ، أو لأضربنّك بالسياط أو لأجوّعنّك ، أو لأعطشنّك ، أو أخلِّدُ الحبسَ عليك ، فهذا كله إكراه . فإن قال : أفعل بك هذه الأشياء غداً ، لم يكن إكراهاً . وإن قال : لأتلفَنَّ مالك ، أو لأقتلنَّ ولدك ، لم يكن إكراهاً ؛ لأنّ هذه عقوبةٌ لا تنال بدنه . وقال : إن قال : لأصفعنّك في السوق ، والمحمول من ذوي المروءات ، فليس هذا بإكراه ، فإن احتمال هذا يصعب على أصحاب [ المروءات ] ( 2 ) ، والمتمسكون بالدّين ربما يؤثرون المشي مع الحفاء وتحسر الرأس ( 3 ) . هذا ما حكاه عن شيخه القفال . وقال رضي الله عنه : الإكراه عندي أن يخوّفه بعقوبة لو نالها من بدنه مبتدئاً ،
--> ( 1 ) يعرض هنا لرأي الخراسانيين ( المراوزة ) بعد أن انتهى من كلام العراقيين . ( 2 ) في الأصل : الرعونات . ( 3 ) يضرب هذا مثلاً لما يمكن أن يعاقب به ويكره به : الحفاء وتحسّر الرأس . وكأن المعنى : أن المتمسكين بالدين يتحملون أمثال هذا ، ويؤثرونه على الخضوع والاستجابة للمكرِه المجيز .